محمد بن جرير الطبري
19
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ويعني بالإرجاء : يقول : من شئت خليت سبيله منهن ، ويعني بالإيواء : يقول : من أحببت : أمسكت منهن . وقال آخرون : بل معنى ذلك : تترك نكاح من شئت ، وتنكح من شئت من نساء أمتك . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : قال الحسن في قوله : تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ نكاح النبي قال : كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لرجل أن يخطبها حتى يتزوجها أو يتركها . وقيل : إن ذلك إنما جعل الله لنبيه حين غار بعضهن على النبي صلى الله عليه وسلم ، وطلب بعضهن من النفقة زيادة على الذي كان يعطيها ، فأمره الله أن يخيرهن بين الدار الدنيا والآخرة ، وأن يخلي سبيل من اختار الحياة الدنيا وزينتها ، ويمسك من اختار الله ورسوله ؛ فلما اخترن الله ورسوله قيل لهن : اقررن الآن على الرضا بالله وبرسوله ، قسم لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو لم يقسم ، أو قسم لبعضكن ، ولم يقسم لبعضكن ، وفضل بعضكن على بعض في النفقة ، أو لم يفضل ، سوى بينكن ، أو لم يسو ، فإن الأمر في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليس لكم من ذلك شيء . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر مع ما جعل الله له من ذلك ، يسوي بينهن في القسم ، إلا امرأة منهن أراد طلاقها ، فرضيت بترك القسم لها نكاح النبي . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن أبي رزين ، قال : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلق أزواجه ، قلن له : نكاح النبي أفرض لنا من نفسك ومالك ما شئت ، فأمره الله فآوي أربعا ، وأرجي خمسا . حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا عبيدة بن سليمان ، عن هشام بن عروة عن أبيه عروة ، عن عائشة أنها قالت : أما تستحيي المرأة أن تهب نفسها للرجل حتى أنزل الله تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ فقلت : إن ربك ليسارع في هواك . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا محمد بن بشر ، يعني العبدي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن عائشة ، أنها كانت تعير النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : أما تستحيي امرأة أن تعرض نفسها بغير صداق ، فنزلت ، أو فأنزل الله : تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فقلت : إني لأرى ربك يسارع لك في هواك حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله : تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ الآية . قال : كان أزواجه قد تغايرن على النبي صلى الله عليه وسلم ، فهجرهن شهرا ، ثم نزل التخيير من الله له فيهن ، فقرأ حتى بلغ : وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى فخيرهن بين أن يخترن أن يخلي سبيلهن ويسرحهن وبين أن يقمن إن أردن الله ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين ، لا ينكحن أبدا ، وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء منهن ممن وهبت نفسها له حتى يكون هو يرفع رأسه إليها ، ويرجي من يشاء ، حتى يكون هو يرفع رأسه إليها ، ومن ابتغى ممن هي عنده وعزل فلا جناح عليه ، ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ، ويرضين إذا علمن أنه من قضائي عليهن إيثار بعضهن على بعض ذلِكَ أَدْنى أَنْ يرضين ، قال : وَمَنِ ابْتَغَيْتَ ممن عزلت : من ابتغى أصابه ، ومن عزل لم يصبه ، فخيرهن بين أن يرضين بهذا ، أو يفارقهن ، فاخترن الله ورسوله ، إلا امرأة واحدة بدوية ذهبت . وكان على ذلك صلوات الله عليه ، وقد شرط الله له هذا الشرط ، ما زال يعدل بينهن حتى لقي الله . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال : نكاح النبي إن الله تعالى ذكره جعل لنبيه